رجل من الأبدية
رواية غير مكتملة
أخيرا تملصت منهم
اخترت طريق الغربة، والوحدة، والنسيان..
تجلت أمامي الصور والذكريات، بحر من الصور، وأشلاء من الذكريات، مبعثرة في ساحة كئيبة، هي الحرب، أقوى ما يملكه الرجل من شجاعة أن يدير ظهره لها، متقمصا لباس الساموراي المنهزم
يموت بسيفه على الأقل، وحيدا وغريبا، متخما بالحزن، لكن منتبها للرحيل، كما لو أنه يخرج نهائيا من العالم بوجه مدفون في الأرض، وقلب مرفوع للسماء..
أيتها السماء الرمادية: أفدي نفسي هبة للملائكة الذين لن يتجرؤوا على ارتكاب الخطايا، أولئك الذين صاغتهم الآلهة بصورتهم تلك، غيري سيقولون انهزم، بعضهم سيبكي على نهايتي المؤسفة، قلة سيذكرونني في سهرات ليلية ماجنة، وآخرون كثر لن يتوقفوا أمام خبر كهذا..
تخلصت منهم..
ليس سهلا أن يهرب الرجل من حياته إلا بدفعها للتلاشي على ورق ابيض، وخرائط غير مضبوطة يحكيها بنفسه، ويترك ما وراءه لما ورائه..لا يهم، الكل سينسى، فيما بعد سينسى، سيهمل كل شيء لأنه في النهاية لاشيء يهم، مثلهم أنا، شخص كان يرفض رؤية موت الآخرين، نهايتهم، قصصهم التي تحكيها الرياح بصفيرها الحاد، وقد تناقلتها الألسن من لسان لآخر، ثم لا شيء، بعد النهاية دموع قليلة، أدعية كثيرة، صمت جنائزي، ووداع نهائي..
المأساة في كل مكان، أعرف هذا، وقلت للمرأة التي كانت تشرب معي ليلتها:
- لا تخافي سأموت سعيدا..
كررتها عدة مرات حتى سالت دموعها..
لم تكن تعرفني تلك المرأة، ولم أكن أعرف عنها أي شيء، اختيار الصدفة، واللحظة الغامضة للنهاية. القبول بتقشير الزمن إلى دقات عاصفة لقلب سيهلك لا محالة.
سألتني باستغراب:
- هل هو الحب؟
سألتها بدوري:
- ما هو الحب؟
كانت في الأربعين من عمرها، قريبة من عمري، كانت واقفة بالقرب من الكونتوار، تشرب لوحدها، سحر المرأة التي تشرب وحيدة في حانة نصف مضاءة، هادئة وصموتة، لا يظهر منها إلا ربع وجه، ملمح يضيء شفتين غضتين تمجان سيجارة تتبخر أدخنتها في الفراغ..كان الفراغ يحتويني، ويضمني إليه بحنو وقهر، ولم أكن استطيع تجاوز تلك الصورة. توقفت بالقرب منها وسألت النادل الذي كان يمسح كأسا زجاجية فارغة:
- هل عندك ويسكي؟
ابتسم قبل أن يرد:
- عندنا كل ما يخطر، ولا يخطر على بالك.
فأضفت:
- إذن زجاجة من فضلك.
ارتسمت على حاجبيه علامة استفهام معقدة، ولكن رد بلطف:
- في ثانية من الوقت.
نظرت للمرأة التي لفتني إليها غموضها المبهم، فابتسمت لي، شاهدت وجهها كاملا وقلت لها:
- سأحكي لك حكاية؟
بدت عليها هي الأخرى الدهشة نفسها. لم تقل أي شيء. تركت النادل يضع الزجاجة فوق الكونتوار، وحين أمرته أن يحضر كأسين، نظر بدوره إليها، فهزت رأسها موافقة..
الشرب ليلا، انخطاف العقل وضياع الجسد، تلك كانت خططي التعيسة للقضاء على ويلات التفكير في عالم لم أعد أحس بالارتباط به، أهمله وأنساه، أتحداه وأنتقم منه بالانتقام من نفسي. طوال الشرب تتهاوى الحقائق واحدة وراء أختها، يضيع الضوء الذي لا يقود للطريق الحقيقي، ولكن ينفتح الطريق الحقيقي، الشرب مسكن لألف ألم بضربة واحدة، شربت كأسي الأول على نفس واحد، وقلت لها:
- هنيئا لنا بالحكاية وبالنسيان..
كان سؤالها المباغت، هو سؤال الحكاية:
- من أنت؟
كدت أخبرها بالحقيقة، من أكون؟، ومن أين أتيت؟ (كنت في الحقيقة أجهل من أنا؟ ومن أين أتيت؟ وستفهمون هذا الغموض لاحقا) وأنهي القصة بما سأفعله بعدها، التملص من الحياة، من العالم، من الوجوه، من كل شيء ولا شيء، من هذه المدينة اللعينة التي اسمها جيم، من الناس الذين اعرفهم، والذين لن يسمح لي الوقت بمعرفتهم (الحياة قصيرة أليس كذلك؟) لكن صمت في آخر ثانية من العمر. وفي آخر ثانية بكيت، وكدت أرقص، دون رقص، الرقص الحقيقي مثل البكاء يحدث في القلب، شعرت برقصات روحي بداخل روحي، شعرت بعد الكأس الثانية أنني أرقص وأطير، طرت دون أن أحدد علو المسافة، شعرت بأنني أطير لكن دون أن يتحرك جسمي، مثبت في مكانه، لكن شيء ما طار حتما، ورقص حتما، وبكى معا..شيء ما مثل سؤالها المباغت، سؤال الحكاية نفسه: من أنت؟ تداخل سؤالها مع سؤال ما لم أحدده بعد في رأسي، سؤال آخر بدأ يظهر منه ملمح ما، قصة ما، حكاية لا تحكى أو حينما نقرر حكيها نقرر موتنا بعد ذلك (أين قرأت ذلك؟ لست أذكر، ولكنها ليست لي بالتأكيد)
سألتها بدوري:
- هل ترغبين في سماع الحكاية؟
ردت بهدوء:
- أية حكاية؟
- تلك التي أخبرتك بأنني أرغب في أن أحكيها لك؟
- حكايتك تقصد؟
- هذا لا يهم، المهم، هل تقبلين ذلك؟
- أقبل بشرط واحد
- ما هو؟
- شرط سهل عليك حتماً.
- أنا في الاستماع لشرطك.
قالت شرطها بسرعة البرق، كنت أرقص من الداخل، وأنا استمع لشرطها، التعب في مفاصلي يثقل سير القلب، الصمت بداخلي كالضجيج والفوضى، عقارب الساعة في الحانة متوقفة، الساعة الروسية التي في معصمي تقول أنها الثامنة ونصف ليلا، البار صغير مثل كهف يتعبد فيه من زهدوا في متاع الدنيا، وتركوا العالم خلفهم، وأندثروا، أو ذابوا، أو أخذهم الصيام، والتعبد، والتعفف لمنطقة في الروح، لا يصلها إلا من جرب شرب زجاجة الويسكي كاملة في آخر ثانية من العمر.
قبلت شرطها بهزة من رأسي، ابتسمت ورفعت الكأس إلى أعلى كما لو أنها تقول لي، تقول لنفسها: في صحة النفوس العاشقة. هكذا خيل إلي أنني سمعتها تقول، سعدت بكلامها الذي خرج من بين شفتيها كلحن موسيقى حان ورقيق..
ثم كدت أضحك، لا على نفسي فقط، ولكن على سخرية المشهد بكامله، على اللحظة التي كنت فيها، على المرأة التي كنت سأشرع في مبادلتها خيوط الحكاية، خاصة عندما سألتني هل هو الحب؟ وأجبت أنا بصدق: ما هو الحب؟ لم أستطع شرح هذه الكلمة، والقصة لم تكن لها علاقة بالحب، أو ليس الحب كما ذهبت هي إليه، أو تصورته، (الحب حتماً هو مركز كل هذه الحكاية التي أتمنى أن تفتنكم قليلا، بعض الشيء، ليس كثيرا، ليس لتقلدوها طبعا، أو لتخطفوا منها بعض العبارات لعشيقاتكم، هي حتما لا تصلح لذلك، أنا أعي ما أقوله الآن، أنا الروائي وليس البطل، وهذا ليس تدخل مني في السرد) أو ظنت أنني عاشق خائب سينفث ألمه الباطني أمامها ثم يحقق لها ذلك الشرط البسيط أن تقضي الليلة معه مقابل مبلغ لا يتجاوز الأربعة آلاف دينار. لم تكن تعرف أنها لو طلبت أكثر لقبلت أيضا، لم يكن المال مهما حينها، لكنها المسكينة ربما ضخمت المبلغ إلى أعلى ما تستطيع دون أن تتجاوز الحد المشروع، وهي متعاطفة معي، مع شخص تخيلت أن العشق هدمه من الداخل، وبعد عدة كؤوس سيسقط على صدرها ويتحول إلى طفل يحتضر /يبكي.
قالت لي أنهم ينادونها بـسوسو قلت لها بابتسامة محبة:
- جميل هذا الاسم المستعار. ينطبق على النساء المرحات اللواتي يطربن القلب، والجسد معا.
تجاوبت مع إطرائي بضحكة وقورة، وهي تسألني بدورها:
- وأنت ما اسمك؟
- هل هذا مهم؟
- ربما حتى يكون التواصل بيننا كاملاَ؟
- حسنا لنقل علي شاكر. (في الحقيقة أنا متردد في إعطاءه اسما بعد)
- هل هو اسمك الحقيقي، أم المستعار؟
- ما الفرق؟
- لا يوجد فرق عندي، حسنا يا علي، ماذا تريد أن تحكي لي الآن؟
قبضت على كأس الويسكي بعنف، وابتلعت ما فيه بضربة واحدة، أحسست بالويسكي يسقي جثة هالكة، وروحا فقدت حياتها السابقة، ينخرط بحرارته الممزقة للشرايين باطن اللحم كما لو أنه يبحث في لعبة غير مسلية عن الوصول للأصل الداخلي للكائن البشري، يرغب في حرق الميت وإنهاض الحي، الكي العنيف للروح، إتلاف العناصر الطفيلية، وإدماج حركة الأعضاء الداخلية باتجاه الغفلة والسكون.
إلى أين؟ في رأسي لم أكن أعرف، كنت فقط قد حددت الهدف، الغاية المرجوة، الحل الأخير، أشرب حد الثمالة، حد التهلكة، حد التبعثر والتلاشي، أحكي لأنسى، أبكي وأضحك، ثم لاشيء غير النوم، التنحي عن الطريق، المغامرة صوب عالم آخر، كيفما كان هذا العالم. عدم، أم وجود آخر، حقيقة، أم خيالاً، واقعاً، أم حلماً، أو واقعاً حُلمياً، أو حُلما واقعياً، لا يهم، المهم الانقراض، الذهاب، الغفوة الطويلة، الراحة المستديمة، والحرية، نعم الحرية فطوال حياتي شعرت بأنني مقهور، محكوم بخيوط كثيرة كلها لا تقبل مني إلا سلوك الطاعة العمياء، ( ستعرفون أن المبالغة هي سمة من سمات البطل في هذه الرواية)لا ترضى عني إلا إذا أحنيت رأسي خوفا، إلا إذا هززت رأسي موافقا، إلا إذا كان لسان حالي يردد التسبيح لهم، والطاعة لهم، والخوف منهم، كرهت ذلك القهر، والعجز، اشمأززت من كل ما يجعلني عبدا لهم، هم الذين صنعوا مني ما صنعوا، وهم الذين رفعوني وأنزلوني، أصعدوني إلى أعلى وهبطوني إلى أسفل، جننوا عقلي، رموني في المكان الذي يناسبهم، أما ذلك الذي يناسبني فلم يتركوا لي أي خيار، هم اللعنة الكبيرة في حياتي، هم الذين دفعوني لأفعل ما فعلت، وفعلت ما طلب مني، كنت عبدهم ولعبتهم، كنت آلتهم التي يضربون بها من يريدون، وينفذون من خلالها ما يرغبون، لم أكن أرفض، ولا أحتج، كنت أقبل كل شيء يقولونه، أسجد لهم وأبكي، أتضرع لهم كي يبقوني على خطهم فقط، خوفا من أن انحرافي سيزيد من عنفهم ضدي، كنت أعرف ما يقدرون على فعله لو قلت لا ولم أكن مستعدا لقول لا ربما كانت روحي جبانة، كانت شجاعة فقط مع من هو أضعف منها، الأقل قوة هو الذي استطيع أن أفعل به ما أريد، وكان الأمر يبدو في صورته الخارجية على الأقل عادلا بالنسبة لي، يظلمونني فأظلم من هم تحتي، هذه سنة الحياة الأقوى يغلب الأضعف، والأغنى يحتقر الأفقر، والعاقل لا يحترم المجنون.. كنت يا للسخرية، بهم الأقوى، وبهم الأضعف، هم الأبالسة من صنع مني ما صرت عليه، وما يدفعني الآن لأن أقدم على تركهم، هم الحقارة، الكلاب الذين دمروا حياتي تدميرا شاملاً وكلياً، ولانهائياً، وشوهوا روحي، وأذلوها، وصاغوها صياغة كلها عبودية لهم، (لا تصدقوه، فهو يهذي، ولكن من ماذا؟) هم..هم..هم..
سألتني سوسو مستغربة، وقد علا وجهها خوف علي:
- من تقصد بـهم؟
ظننت أنني كنت أهذي مع نفسي لا غير، لكن الكلمات خرجت مع الكأس الخامسة من الويسكي، مصارين بطني احترقت أخيرا، والضوضاء خفت، الحانة صارت صافية صفاء الروح عندما تتجرد من لبوسها الخارجي المزيف، وقد ارتفعت محلقة لعالم النيرفانا الذي سمعت به مرة واحدة، وأنا في نيو دلهي في مهمة خاصة.
- ماذا كنت تفعل هناك؟
- تصوري ماذا كنت أفعل؟
- لا أستطيع تصور أي شيء، ولكن أحكي لي حتى أفهم.
- نعم أعرف، كنت في مهمة خاصة للغاية، مهمة طبيعية بالنسبة لعملي، ولكن ثمن عملي كان يدفع للشعور بالحقارة عند اكتماله.
بداخلي رويت لنفسي القصة:
اسمه حمزة عبد العالي، رجل في التاسعة والثلاثين، ابن رجل توفي في حرب التحرير الوطنية تحت التعذيب عام 1961، مات شهيدا كما كتب عنه لاحقا، ابنه لم يصدق الحكاية، وبحث في تاريخ والده، وبدأ يتحرك هنا وهناك، في زمن لم يكن التحرك فيه ممكنا، ولا البحث عن الموتى مشروعا، حاول البعض إفهامه بأن الحقيقة لن تعيد له والده، وأنه سيتعب، وسيواجه المشاكل التي لن يعثر لها على أي حل، لكن حمزة عبد العالي الذي غادر البلاد في بداية السبعينات للدراسة في الخارج كان مصمما على الوصول للحقيقة، وفي الملف السري الذي أعد خصيصا عنه قال لصديقته مريم:
- لا أدري إن كنت سأنتهي مثل والدي أم لا، لكن لابد أن أعرف؟
كانت مهمتي سهلة، لقد ذهب لنيودلهي للمشاركة في مؤتمر علمي، كان يدرس في اختصاص دقيق للغاية، ذهبت خلفه، طوال أسبوع كنت مطالبا بإحصاء خطواته حيثما ذهب وحل، لم يطلب مني أحد تصفيته حينها، تتبعه فقط، سبر كل أسراره، معرفة مع من يتكلم عن طريق اللقاء المباشر أو الهاتف، كل شيء عن أسبوعه، كانت تلك هي مهمتي الأولى، تصورتها ستمر بروتينية، حتى أنني لم أكن أنتظره عندما يدخل غرفة الفندق للنوم، كنت أغتنم الفرصة لمشاهدة هذه المدينة العجيب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |