للعبرة

كتبها بشير مفتي ، في 16 يناير 2009 الساعة: 18:21 م

 

 

 

قصص

 

لحظة جنون

 

 

 

 

لا أدري لماذا، وأنا اقطع شارع حسيبة بن بوعلي لأول مرة اشعر بأنني أفقد شيئا حميما بداخلي، ولم أنتبه لخطواتي المبعثرة والشاردة هي الأخرى حتى سمعت صوت سائق سيارة يصرخ في وجهي بكلمات بذيئة “ابتعد يا أعمى”، فانتبهت وطأطأت رأسي دون أن أرد عليه بأي كلمة صغيرة أو كبيرة، مكملا سيري من دون تفكير هذه المرة سرت حتى ساحة أول ماي، وهناك توقفت أمام نافورة المياه المعطلة، ووقفت بلا إرادة أتأمل الفراغ، كان راسي يطن بضجيج مؤلم وذاكرتي تتقيأ صورا غريبة لم أألفها من قبل، كما لو أنها في تلك اللحظة أعلنت ثورة عنيفة عليّ، ووجدتني عرضة لتقلبات موجعة وأفكار متمردة تخرج فجأة وتناديني معها لكي أصرخ بأعلى صوتي “توقفوا عن المشي، أمر خطير يحدث هنا” لكن لم تخرج الكلمات التي صالت وجالت بداخلي، ولم يتوقف السائرون في تلك الساحة من ذلك الوقت الصباحي عن المشي، كل إلى جهة يقصدها، وهدف يرجوه، لم يكن من عادتي النهوض باكرا لكن في الآونة الأخيرة بدأت استفيق على الساعة السادسة صباحا، أغسل وجهي وأخرج متسكعا في مدينة الجزائر، سعيدا بأنني من القلة القليلة التي تفعل ذلك، قبل أن يبدأ الهرج والمرج، قبل أن تتحرك دواليب الحياة وتصبح الجزائر فوضى مطلقة وبلانهاية، لم أربط ذلك بتحول طرأ عليّ، فكرت في أن بعض الأمور حدثت بالفعل، وأثرت على دواخلي، أنا الذي كنت أقول على نفسي بأنني صلب، ومن حديد، واستطعت تجاوز محن كبيرة ليس على مستواي الفردي فقط، ولكن على كل المستويات، ها أنا أحس بهشاشتي وضعفي وانظر من حوالي فلا افهم أو اشعر بأن فهمي ضعف وتفكيري لم يعد بقادر على استيعاب كل ما يحدث لي، أو ما يربك وجودي برمته، إلى فترة قريبة كانت الأمور واضحة، والمعركة كذلك، وما علي إلا البقاء ثابتا على الخط وصامدا على المنهج الذي اخترته لنفسي، عدم الشك أولا في قناعاتي، وعدم الاستسلام لأي نزلة خوف، أو قلق على مصيري فكل شيء لابد أن يأخذ في نهاية الطريق شكله الحقيقي، و”من سار على الدرب وصل” غير أنني الآن، في تلك اللحظة، وأنا واقف أمام نافورة المياه المعطلة كان عطلها يشبه عطلي، وكنت ارغب في الصراخ، أصرخ بأعلى صوتي “الصمت، النجدة، أنقذوني”، ولكن حتى هذه الرغبة القوية لم أستطع تحقيقها، لقد بدأت فقط التف حول نفسي، وحول النافورة المعطلة مثل مجنون، أتحرك دائرياً، وأنا أهلوس بكلمات لم افهم منها أي شيء، ك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رواية

كتبها بشير مفتي ، في 14 يناير 2009 الساعة: 17:44 م

رجل من الأبدية

 

رواية غير مكتملة

 

 

 

 

أخيرا تملصت منهم

اخترت طريق الغربة، والوحدة، والنسيان..

تجلت أمامي الصور والذكريات، بحر من الصور، وأشلاء من الذكريات، مبعثرة في ساحة كئيبة، هي الحرب، أقوى ما يملكه الرجل من شجاعة أن يدير ظهره لها، متقمصا لباس الساموراي المنهزم

يموت بسيفه على الأقل، وحيدا وغريبا، متخما بالحزن، لكن منتبها للرحيل، كما لو أنه يخرج نهائيا من العالم بوجه مدفون في الأرض، وقلب مرفوع للسماء..

أيتها السماء الرمادية: أفدي نفسي هبة للملائكة الذين لن يتجرؤوا على ارتكاب الخطايا، أولئك الذين صاغتهم الآلهة بصورتهم تلك، غيري سيقولون انهزم، بعضهم سيبكي على نهايتي المؤسفة، قلة سيذكرونني في سهرات ليلية ماجنة، وآخرون كثر لن يتوقفوا أمام خبر كهذا..

تخلصت منهم..

ليس سهلا أن يهرب الرجل من حياته إلا بدفعها للتلاشي على ورق ابيض، وخرائط غير مضبوطة يحكيها بنفسه، ويترك ما وراءه لما ورائه..لا يهم، الكل سينسى، فيما بعد سينسى، سيهمل كل شيء لأنه في النهاية لاشيء يهم، مثلهم أنا، شخص كان يرفض رؤية موت الآخرين، نهايتهم، قصصهم التي تحكيها الرياح بصفيرها الحاد، وقد تناقلتها الألسن من لسان لآخر، ثم لا شيء، بعد النهاية دموع قليلة، أدعية كثيرة، صمت جنائزي، ووداع نهائي..

المأساة في كل مكان، أعرف هذا، وقلت للمرأة التي كانت تشرب معي ليلتها:

- لا تخافي سأموت سعيدا..

كررتها عدة مرات حتى سالت دموعها..

لم تكن تعرفني تلك المرأة، ولم أكن أعرف عنها أي شيء، اختيار الصدفة، واللحظة الغامضة للنهاية.  القبول بتقشير الزمن إلى دقات عاصفة لقلب سيهلك لا محالة.

سألتني باستغراب:

- هل هو الحب؟

سألتها بدوري:

- ما هو الحب؟

كانت في الأربعين من عمرها، قريبة من عمري، كانت واقفة بالقرب من الكونتوار، تشرب لوحدها، سحر المرأة التي تشرب وحيدة في حانة نصف مضاءة، هادئة وصموتة، لا يظهر منها إلا ربع وجه، ملمح يضيء شفتين غضتين تمجان سيجارة تتبخر أدخنتها في الفراغ..كان الفراغ يحتويني، ويضمني إليه بحنو وقهر، ولم أكن استطيع تجاوز تلك الصورة. توقفت بالقرب منها وسألت النادل الذي كان يمسح كأسا زجاجية فارغة:

- هل عندك ويسكي؟

ابتسم قبل أن يرد:

- عندنا كل ما يخطر، ولا يخطر على بالك.

فأضفت:

- إذن زجاجة من فضلك.

ارتسمت على حاجبيه علامة استفهام معقدة، ولكن رد بلطف:

- في ثانية من الوقت.

نظرت للمرأة التي لفتني إليها غموضها المبهم، فابتسمت لي، شاهدت وجهها كاملا وقلت لها:

- سأحكي لك حكاية؟

بدت عليها هي الأخرى الدهشة نفسها. لم تقل أي شيء. تركت النادل يضع الزجاجة فوق الكونتوار، وحين أمرته أن يحضر كأسين، نظر بدوره إليها، فهزت رأسها موافقة..

الشرب ليلا، انخطاف العقل وضياع الجسد، تلك كانت خططي التعيسة للقضاء على ويلات التفكير في عالم لم أعد أحس بالارتباط به، أهمله وأنساه، أتحداه وأنتقم منه بالانتقام من نفسي. طوال الشرب تتهاوى الحقائق واحدة وراء أختها، يضيع الضوء الذي لا يقود للطريق الحقيقي، ولكن ينفتح الطريق الحقيقي، الشرب مسكن لألف ألم بضربة واحدة، شربت كأسي الأول على نفس واحد، وقلت لها:

- هنيئا لنا بالحكاية وبالنسيان..

كان سؤالها المباغت، هو سؤال الحكاية:

- من أنت؟

كدت أخبرها بالحقيقة، من أكون؟، ومن أين أتيت؟ (كنت في الحقيقة أجهل من أنا؟ ومن أين أتيت؟ وستفهمون هذا الغموض لاحقا) وأنهي القصة بما سأفعله بعدها، التملص من الحياة، من العالم، من الوجوه، من كل شيء ولا شيء، من هذه المدينة اللعينة التي اسمها جيم، من الناس الذين اعرفهم، والذين لن يسمح لي الوقت بمعرفتهم (الحياة قصيرة أليس كذلك؟) لكن صمت في آخر ثانية من العمر. وفي آخر ثانية بكيت، وكدت أرقص، دون رقص، الرقص الحقيقي مثل البكاء يحدث في القلب، شعرت برقصات روحي بداخل روحي، شعرت بعد الكأس الثانية أنني أرقص وأطير، طرت دون أن أحدد علو المسافة، شعرت بأنني أطير لكن دون أن يتحرك جسمي، مثبت في مكانه، لكن شيء ما طار حتما، ورقص حتما، وبكى معا..شيء ما مثل سؤالها المباغت، سؤال الحكاية نفسه: من أنت؟ تداخل سؤالها مع سؤال ما لم أحدده بعد في رأسي، سؤال آخر بدأ يظهر منه ملمح ما، قصة ما، حكاية لا تحكى أو حينما نقرر حكيها نقرر موتنا بعد ذلك (أين قرأت ذلك؟ لست أذكر، ولكنها ليست لي بالتأكيد)

سألتها بدوري:

- هل ترغبين في سماع الحكاية؟

ردت بهدوء:

- أية حكاية؟

- تلك التي أخبرتك بأنني أرغب في أن أحكيها لك؟

- حكايتك تقصد؟

- هذا لا يهم، المهم، هل تقبلين ذلك؟

- أقبل بشرط واحد

- ما هو؟

- شرط سهل عليك حتماً.

- أنا في الاستماع لشرطك.

قالت شرطها بسرعة البرق، كنت أرقص من الداخل، وأنا استمع لشرطها، التعب في مفاصلي يثقل سير القلب، الصمت بداخلي كالضجيج والفوضى، عقارب الساعة في الحانة متوقفة، الساعة الروسية التي في معصمي تقول أنها الثامنة ونصف ليلا، البار صغير مثل كهف يتعبد فيه من زهدوا في متاع الدنيا، وتركوا العالم خلفهم، وأندثروا، أو ذابوا، أو أخذهم الصيام، والتعبد، والتعفف لمنطقة في الروح، لا يصلها إلا من جرب شرب زجاجة الويسكي كاملة في آخر ثانية من العمر.

قبلت شرطها بهزة من رأسي، ابتسمت ورفعت الكأس إلى أعلى كما لو أنها تقول لي، تقول لنفسها:  في صحة النفوس العاشقة. هكذا خيل إلي أنني سمعتها تقول، سعدت بكلامها الذي خرج من بين شفتيها كلحن موسيقى حان ورقيق..

ثم كدت أضحك، لا على نفسي فقط، ولكن على سخرية المشهد بكامله، على اللحظة التي كنت فيها، على المرأة التي كنت سأشرع في مبادلتها خيوط الحكاية، خاصة عندما سألتني هل هو الحب؟ وأجبت أنا بصدق: ما هو الحب؟  لم أستطع شرح هذه الكلمة، والقصة لم تكن لها علاقة بالحب، أو ليس الحب كما ذهبت هي إليه، أو تصورته، (الحب حتماً هو مركز كل هذه الحكاية التي أتمنى أن تفتنكم قليلا، بعض الشيء، ليس كثيرا، ليس لتقلدوها طبعا، أو لتخطفوا منها بعض العبارات لعشيقاتكم، هي حتما لا تصلح لذلك، أنا أعي ما أقوله الآن، أنا الروائي وليس البطل، وهذا ليس تدخل مني في السرد) أو ظنت أنني عاشق خائب سينفث ألمه الباطني أمامها ثم يحقق لها ذلك الشرط البسيط أن تقضي الليلة معه مقابل مبلغ لا يتجاوز الأربعة آلاف دينار. لم تكن تعرف أنها لو طلبت أكثر لقبلت أيضا، لم يكن المال مهما حينها، لكنها المسكينة ربما ضخمت المبلغ إلى أعلى ما تستطيع دون أن تتجاوز الحد المشروع، وهي متعاطفة معي، مع شخص تخيلت أن العشق هدمه من الداخل، وبعد عدة كؤوس سيسقط على صدرها ويتحول إلى طفل يحتضر /يبكي.

قالت لي أنهم ينادونها بـسوسو قلت لها بابتسامة محبة:

- جميل هذا الاسم المستعار. ينطبق على النساء المرحات اللواتي يطربن القلب، والجسد معا.

تجاوبت مع إطرائي بضحكة وقورة، وهي تسألني بدورها:

- وأنت ما اسمك؟

- هل هذا مهم؟

- ربما حتى يكون التواصل بيننا كاملاَ؟

- حسنا لنقل علي شاكر. (في الحقيقة أنا متردد في إعطاءه اسما بعد)

- هل هو اسمك الحقيقي، أم المستعار؟

- ما الفرق؟

- لا يوجد فرق عندي، حسنا يا علي، ماذا تريد أن تحكي لي الآن؟

قبضت على كأس الويسكي بعنف، وابتلعت ما فيه بضربة واحدة، أحسست بالويسكي يسقي جثة هالكة، وروحا فقدت حياتها السابقة، ينخرط بحرارته الممزقة للشرايين باطن اللحم كما لو أنه يبحث في لعبة غير مسلية عن الوصول للأصل الداخلي للكائن البشري، يرغب في حرق الميت وإنهاض الحي، الكي العنيف للروح، إتلاف العناصر الطفيلية، وإدماج حركة الأعضاء الداخلية باتجاه الغفلة والسكون.

إلى أين؟ في رأسي لم أكن أعرف، كنت فقط قد حددت الهدف، الغاية المرجوة، الحل الأخير، أشرب حد الثمالة، حد التهلكة، حد التبعثر والتلاشي، أحكي لأنسى، أبكي وأضحك، ثم لاشيء غير النوم، التنحي عن الطريق، المغامرة صوب عالم آخر، كيفما كان هذا العالم. عدم، أم وجود آخر، حقيقة، أم خيالاً، واقعاً، أم حلماً، أو واقعاً حُلمياً، أو حُلما واقعياً، لا يهم، المهم الانقراض، الذهاب، الغفوة الطويلة، الراحة المستديمة، والحرية، نعم الحرية فطوال حياتي شعرت بأنني مقهور، محكوم بخيوط كثيرة كلها لا تقبل مني إلا سلوك الطاعة العمياء، ( ستعرفون أن المبالغة هي سمة من سمات البطل في هذه الرواية)لا ترضى عني إلا إذا أحنيت رأسي خوفا، إلا إذا هززت رأسي موافقا، إلا إذا كان لسان حالي يردد التسبيح لهم، والطاعة لهم، والخوف منهم، كرهت ذلك القهر، والعجز، اشمأززت من كل ما يجعلني عبدا لهم، هم الذين صنعوا مني ما صنعوا، وهم الذين رفعوني وأنزلوني، أصعدوني إلى أعلى وهبطوني إلى أسفل، جننوا عقلي، رموني في المكان الذي يناسبهم، أما ذلك الذي يناسبني فلم يتركوا لي أي خيار، هم اللعنة الكبيرة في حياتي، هم الذين دفعوني لأفعل ما فعلت، وفعلت ما طلب مني، كنت عبدهم ولعبتهم، كنت آلتهم التي يضربون بها من يريدون، وينفذون من خلالها ما يرغبون، لم أكن أرفض، ولا أحتج، كنت أقبل كل شيء يقولونه، أسجد لهم وأبكي، أتضرع لهم كي يبقوني على خطهم فقط، خوفا من أن انحرافي سيزيد من عنفهم ضدي، كنت أعرف ما يقدرون على فعله لو قلت لا ولم أكن مستعدا لقول لا ربما كانت روحي جبانة، كانت شجاعة فقط مع من هو أضعف منها، الأقل قوة هو الذي استطيع أن أفعل به ما أريد، وكان الأمر يبدو في صورته الخارجية على الأقل عادلا بالنسبة لي، يظلمونني فأظلم من هم تحتي، هذه سنة الحياة الأقوى يغلب الأضعف، والأغنى يحتقر الأفقر، والعاقل لا يحترم المجنون.. كنت يا للسخرية،  بهم الأقوى، وبهم الأضعف، هم الأبالسة من صنع مني ما صرت عليه، وما يدفعني الآن لأن أقدم على تركهم، هم الحقارة، الكلاب الذين دمروا حياتي تدميرا شاملاً وكلياً، ولانهائياً، وشوهوا روحي، وأذلوها، وصاغوها صياغة كلها عبودية لهم، (لا تصدقوه، فهو يهذي، ولكن من ماذا؟) هم..هم..هم..

سألتني سوسو مستغربة، وقد علا وجهها خوف علي:

- من تقصد بـهم؟

ظننت أنني كنت أهذي مع نفسي لا غير، لكن الكلمات خرجت مع الكأس الخامسة من الويسكي، مصارين بطني احترقت أخيرا، والضوضاء خفت، الحانة صارت صافية صفاء الروح عندما تتجرد من لبوسها الخارجي المزيف، وقد ارتفعت محلقة لعالم النيرفانا الذي سمعت به مرة واحدة، وأنا في نيو دلهي في مهمة خاصة.

- ماذا كنت تفعل هناك؟

- تصوري ماذا كنت أفعل؟

- لا أستطيع تصور أي شيء، ولكن أحكي لي حتى أفهم.

- نعم أعرف، كنت في مهمة خاصة للغاية، مهمة طبيعية بالنسبة لعملي، ولكن ثمن عملي كان يدفع للشعور بالحقارة عند اكتماله.

بداخلي رويت لنفسي القصة:

اسمه حمزة عبد العالي، رجل في التاسعة والثلاثين، ابن رجل توفي في حرب التحرير الوطنية تحت التعذيب عام 1961، مات شهيدا كما كتب عنه لاحقا، ابنه لم يصدق الحكاية، وبحث في تاريخ والده، وبدأ يتحرك هنا وهناك، في زمن لم يكن التحرك فيه ممكنا، ولا البحث عن الموتى مشروعا، حاول البعض إفهامه بأن الحقيقة لن تعيد له والده، وأنه سيتعب، وسيواجه المشاكل التي لن يعثر لها على أي حل، لكن حمزة عبد العالي الذي غادر البلاد في بداية السبعينات للدراسة في الخارج كان مصمما على الوصول للحقيقة، وفي الملف السري الذي أعد خصيصا عنه قال لصديقته مريم:

- لا أدري إن كنت سأنتهي مثل والدي أم لا، لكن لابد أن أعرف؟

كانت مهمتي سهلة، لقد ذهب لنيودلهي للمشاركة في مؤتمر علمي، كان يدرس في اختصاص دقيق للغاية، ذهبت خلفه، طوال أسبوع كنت مطالبا بإحصاء خطواته حيثما ذهب وحل، لم يطلب مني أحد تصفيته حينها، تتبعه فقط، سبر كل أسراره، معرفة مع من يتكلم عن طريق اللقاء المباشر أو الهاتف، كل شيء عن أسبوعه، كانت تلك هي مهمتي الأولى، تصورتها ستمر بروتينية، حتى أنني لم أكن أنتظره عندما يدخل غرفة الفندق للنوم، كنت أغتنم الفرصة لمشاهدة هذه المدينة العجيب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تأملات

كتبها بشير مفتي ، في 15 يناير 2009 الساعة: 18:38 م

 

 

الكتابة شهادة على الليل

 

 

أعدت قراءة مقاطع من «كتاب اللاطمانينة» لفرناندو بيسو بتركيز شديد هذه المرة بالموازاة مع «يوميات» فرانز كافكا الذي استوقفني مقطع يتحدث فيه عن الليلة التي قضاها يكتب روايته الشهيرة «القضية» كيف استطاع أن يكتب رواية بذلك الحجم، بتلك الروعة، وبذلك الإتقان في ليلة واحدة من الساعة العاشرة حتى السادسة صباحا، يقول بأنه شعر بتعب جسماني لاحدود له، بان جسده كان يخونه في كل لحظة لكنه اكتشف أن وراء التعب كانت تختفي السعادة او تولد من داخل تلك المعاناة الفيزيولوجية رعشة أخرى تتجاوز حدود الجسدي نفسه، وتجعله يواصل ليخلص إلى القول أن الكتابة هي هذا الإبحار المؤلم في مجاهيل الأدب، أن الأدب يتطلب تضحية من قبيل الاقتراب من الهلاك الجسماني كي نحصل على الثمرة المناسبة والمكافأة الوحيدة هي السعادة الداخلية لا غير.

 

 

ترى كيف كان يكتب فرناندو بيسو؟ إننا أمام شخص يحير الألباب بالفعل يثير الأسئلة تلو الأسئلة، شخصية غامضة دون أن  تتعمد الغموض ولكن حياتها كانت على هذا القدر الكبير من الخفاء المدهش، ربما تتطلب الكتابة قدرا مناسبا من الاختفاء، ورفض الظهور، كان بيسوا يعي ما يريد من الكتابة، فافتتانه بالأدب لا حدود له، ومصدر متعته أيضا، التمتع الأليم، كنوع من السادية، إنه الشيزوفريني الوحيد الذي نجح كما يقال عنه أنصاره طبعا، فمن يهب العالم الأدبي أكثر من شخصية كاتبة هو بالتأكيد مريض بداء الانفصام، لكن في التعدد نجح بيسوا في جمع شتاته الداخلي المبعثر، في لملمة  الفوضى العنيفة للذات التي لم يكن يريد لها أن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عن الشعر

كتبها بشير مفتي ، في 14 يناير 2009 الساعة: 17:59 م

“نسيت حقيبتي ككل مرة”

للشاعرة الجزائرية لميس سعيدي

 

 

تفاجئنا الشاعرة لميس سعيدي في باكورتها الشعرية الأولى على أكثر من مستوى، بداية من العنوان ذاته “نسيت حقيبتي ككل مرة” مرورا بتلك النصوص الشعرية الهادئة والجميلة والتي تتسلل عميقا إلى النفس وتوقع أثرها الرائع عليها. تترك بصمتها الشعرية على قارئ ربما لم تفترضه في ذهنها، وهي تكتب هذه القلائد الجميلة وتهديها له.

 

في كل صباح أفتح قبري

بنفس المفاتيح القديمة

المعلقة في جيب روحي المثقوب

لاشيء يسقط منه

سوى أوهام قليلة

ورغبة في الكلام

 

في شعر لميس هذه البساطة المغرية التي تربك من البداية، وتثير إحساسا بالغرابة والألفة ، نوع من الحكاية التي تجرك لاهثا خلفها، وعندما تظن أنك قد أمسكت نهايتها تقفز من بين يديك وتحلق بعيدا عنك وتتركك لدهشتك وحيرتك، ولوقع الصور التي انهالت عليك، ولتأثير لحظة ارتفعت بك. لحظة الشعر المصفى من كل غاية إلا غاية الشعر نفسه.

 

“الشمس لا تزال تشبه تلك التي خربشتها

أنامل طفلة تبحث عن الدفء في الجنوب

لكن..

هل للسماء رصيف

يأوي الأحلام المتشردة

حين يستحيل الشفق”

 

الشعر الذي لا يدهش ليس شعرا، وتكمن قدرة الشعر على إخراجنا من واقعية الواقع إلى فسحة الشعر المتعددة الأوجه، فسحة الشعر المتعددة المرايا، فسحة الشعر المفتوحة على أكثر من أفق وأكثر من غاية، هكذا تحدثنا الشاعرة لميس عن البساطة المربكة للشعر وهو يخرج باحثا عن معناه في شرفة عالية.

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تأملات

كتبها بشير مفتي ، في 14 يناير 2009 الساعة: 17:54 م

 

أشباح  الكاتب وأشباح الكتابة

 

 

 

لوحدي في هذه اللحظة، أعرف بأنني مطالب بتبرير وجودي على الورقة، كي أكتب لا بد من تبرير، لا لن أذهب لذلك الحد المخيف الذي ذهب له جوزيف كونراد، وهو يحدد ما المطلوب من الروائي أمام روايته، أن يكون هناك تبرير فني لكل كلمة حتى لا نقول لكل حرف، أي أن تكون قادرا على الدفاع جماليا عن نصك، ولكن ضد من سندافع؟ بالتأكيد هناك حلم أن يكتب الكاتب شيئا للمستقبل، ونحن نعرف أنه قليل جدا ذلك الذي يحتفظ به المستقبل من الحاضر، ولهذا نحن نكتب على ضوء أمل خافت أن يبقى شيء منا، شيء مما كتبنا في غربال الزمن القادم الذي لا يرحم.

 

لوحدي، أعرف ذلك، أعرف أن الكاتب يعيش لوحده، أي مع نفسه وأشباحه، ماذا ينتظر؟ لاشيء وكل شيء، محكوم بلحظة غريبة تجعله يتساءل محترقا وحارقا، لاسعا وملسوعا، جارحا ومجروحا، ينتظر أن ينفجر في لحظته تلك بالكتابة فقط، الكتابة لا غير، الكتابة داءه ودواءه، محاصر فيها وحر، يلعب على حبل هش، قد يسقط، أو لا يسقط، كما ينتظر انتصاره، ينتظر سقوطه، تماما مثل ملاكم، إن الضربات التي يقدر على تحملها هي التي قد تهزمه جسديا ولكنها تحيي فيه تلك الشجاعة الداخلية لينتصر بضربة حظ، أو بالشجاعة التي تخرج من اليأس.

 

أعرف بدون يقين مطلق أن الكاتب محاصر بأشباحه، وداخل في حرب ضروس مع كل ما يحيط به، متمرد، وحتى عندما يظن البعض أنه خنوع لا يجب على الإطلاق تصديق ذلك، لأنه هناك يكون في معركة أخرى مع ذاته، وهو يبصر حتى في تلك اللحظة المنعزلة والمأزومة بشفافية كبيرة كيف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

خوار

كتبها بشير مفتي ، في 17 ديسمبر 2008 الساعة: 17:41 م

حوار مع الروائي الجزائري عمارة لخوص

ما يميز المجتمعين الجزائري والإيطالي هو النسيان والخوف من الذاكرة

أجرى الحوار: بشير مفتي

يعتبر من أهم روائيي الجيل الجديد بالجزائر بالرغم من أنه يقيم ويعمل في ايطاليا منذ سنوات عديدة، نتاج اندلاع العنف الأمر الذي اضطره للهجرة من البلد دون أن يتخلى عن علاقته الآسرة بالجزائر، منذ أيام فقط صدرت الطبعة الثانية من روايته الثانية “كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك” عن منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم بلبنان، وترجمة لها بايطاليا قام هو بنقلها، أو كما يقول أعاد كتابتها من جديد، هنا لقاء حول تجربته في الكتابة، وبعض القضايا التي تشغله في الرواية

———-

كتبت روايتين “البق والقرصان” صدرت في ايطاليا باللغتين، و”كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك”، صدرت بالجزائر ولبنان مؤخرا هل تشعر بالرضا على هاتين التجربتين؟

عندما كتبت “البق والقرصان” عام 1993، كان هاجسي الرئيسي هو تقديم تجربة روائية جزائرية متميزة، فاشتغلت على ثلاثة محاور: أولا، معرفة الواقع الجزائري الذي كتبت عنه، فقرأت مثلا العديد من البحوث والدراسات حول تاريخ الجزائر في القرن الثامن عشر. ثانيا، إيجاد بنية روائية تعتمد على تقنية المونتاج السينمائي والاستفادة من التجارب المسرحية كبناء الحوارات. ثالثا، البحث عن لغة عربية جزائرية تتوفر على جماليات الأمثال والأغاني الشعبية. وكتب الناقد التونسي الشاب كمال الرياحي قبل شهور قليلة دراسة مطولة عن “البق والقرصان” ونشرها في مجلة (عمان) الثقافية عنوانها (لغة الحياة وحياة اللغة) وتناول فيها بالدراسة والتحليل خصوصية اللغة المستعملة وخلص الى القول إن العربية الجزائرية لا تقل جمالية عن أخواتها في العالم العربي وتشكل إثراءً للغة العربية. أما فيما يتعلق بالرواية الثانية “كيف ترضع..” فجاءت بعد عشر سنوات من الرواية الأولى، وتناولت فيها قضية الهجرة معتمدا على معرفتي بواقع حي بياتزا فيتوريو بروما حيث عشت فيه ست سنوات واشتغلت في مركز لاستضافة اللاجئين والمهاجرين، هذه التجربة أثرت في بشكل لا يوصف، فتعرفت عن قرب على الصوماليين والألبان والباكستانيين و… الخ. ووظفت هذه المعرفية العملية في دراساتي الأكاديمية، فقدمت أطروحة ماجستير في جامعة روما وحظي مشروعي حول دراسة حالة المهاجرين العرب في إيطاليا لنيل الدكتوراه بحفاوة. وكي أكون صادقا مع نفسي، دعني أصارحك أنني لست راضيا كل الرضى على هاتين التجربتين لأنني أتطلع الى مشروع روائي كبير أضع فيه كل تجاربي المعرفية والمهنية، فعملي الصحفي يساعدني على متابعة تغيرات الواقع ومشواري الأكاديمي يقدم لي مفاتيح مهمة لمقاربة إشكاليات معقدة تخص المجتمع الجزائري في زمن العولمة.

في “البق والقرصان” أول روايتك اشتغلت على المكبوت الاجتماعي واستنطقت المحظور الديني والسياسي وقدمت لوحة بانورامية عن المجتمع الجزائري الذي كان يتفكك بفعل عوامل متعددة والآن نعيد قراءة هذه الرواية نشعر بأنك كنت تتنبأ بما وقع لنا ما رأيك؟

سعيت في “البق والقرصان” الى التخلص من الرقيب الداخلي من خلال التطرق الى الثالوث المحرم (السياسة والدين والجنس). أردت أن أفضح تناقض

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أفق

كتبها بشير مفتي ، في 17 ديسمبر 2008 الساعة: 17:31 م

من صدمة الحداثة إلى الحداثة المعطوبة

 

 

انتهت الحداثة العربية الي نوع من الانغلاق علي

النفس، فالمجتمعات العربية لم تستهوها فكرة الحداثةالتي ربطتها بالاستعمار، وعملت السلطة العربية بمختلف وجوهها وأشكالها علي محاربتها كذلك، أو تفقير معناها، وتحقير مفعولها، هي التي أخذت من الحداثة التحديث وآلياته فقط، دون أن تأخذ أنماط التفكير، وتحولات المعرفة، تلك التي كان من شأنها نسف الأنظمة الاستبدادية من الداخل، وتفتيت قوتها، لقد كانت السلطة أكثر براغماتية ونفعية في التعامل مع الحداثة، اذ قبلتها في جوانب ورفضتها في جوانب أخري، ولكن الأخطر من ذلك أنها استطاعت أن تدجنها وتحولها الي صورة براقة تظهر بها أمام العالم الغربي كدول حديثة وعصرية، لكن مع المحافظة علي الأنماط الشرقية في الحكم، القائم علي الاستبداد والأحادية والظلم.
لقد تأسست الحداثة العربية في سياق الحلم القومي، والصراع العربي ـ الاسرائيلي، بالنسبة للمشرق العربي ونمت وترعرعت في مناخ الاستبداد والدولة الشمولية، والحرب وقيادة العسكر للدولة، بالنسبة للمغرب العربي، ووجدت نفسها بفعل كل تلك العوامل خطابا يعيش علي هامش الأحداث، ولكنه كان خطاب تحرر وطني وثقافي، لم يستكن لتلك الظروف، وحاول مواجهتها حينا ومسايرتها حينا آخر، كان الحداثي العربي يعتقد أنه يملك الحقيقة، أو أن مشروعه هو الطريق الصحيح للتقدم، وأن الخلل يكمن في غياب الحداثة التي من شأنها أن تقوض البنيات التقليدية، وتحطم المؤسسات المحافظة التي تعيق التنمية، ولكن بما أنه يفتقد الي السلطة الحاكمة التي من شأنها تحقيق ذلك، سارع الي التحالف معها، أو مناصرة خطابها، خاصة في نقطة التقاطع التي تربطه بها، أو التي توهم أنها تربطه بها، وهي الرغبة في التغيير، والذهاب الي الأمام علي خطي الغرب المتقدم، الغرب الحداثي، فالدولة العربية الحديثة كانت ترفع شعارات كثيرة براقة في واجهتها، ومغرية في أهدافها، لكنها بقيت مجرد شعارات، ولم يكن تأسيس القوانين والدساتير والبرلمانات ومختلف أجهزة الدولة من أجل تحديث الدولة، وعصرنتها بالفعل، أي السير بالمجتمعات العربية نحو أنوار العصر، ومباهج التحديث، ولكن فقط لتقديم تلك الصورة الخارجية البراقة، ولتمتين الحكم الشمولي للسلطة، فالغاية لم تكن قط، تحديثا حقيقيا يحرر المجتمع وآليات التعبير، ويقيم تعددية فكر، ومناخ حر وديمقراطي، ان ذلك الحلم كان يبشر به المثقفون العرب لا غير وهم يأملون في بروز شيء يشبه ما قرأوا عنه في الغرب، أو شاهدوه عند غيرنا أثناء سنوات الدراسة أو السياحة وما شابه ذلك.
لم تستطع الحداثة العربية لأسباب
كثيرة أن تنجز أو تحقق ما خالج قلوب وعقول الحداثيين الذين لا يشك أحد في صدق نواياهم تجاه منطقتهم وشعوبهم، لكن الحداثة لم تكن أمرا أدبيا فحسب، ولو كانت كذلك لقلنا ان الحداثة العربية نجحت كل النجاح حيث فشلت قطاعات أخري كثيرة في مجال التحديث، ان الأمر أبعد من ذلك، وهذا ما يجعل الاستفاقة علي فجيعة الحلم الحداثي كارثية، ومخيفة، وعبرت عن تراجيدياه بالنص الكئيب، نص الحداثة المنطوي علي نفسه، والغريب عن الآخر، النص الذي يعبر عن هذا السقوط المؤلم، والواقع المثير.
جاءت نصوص الحداثة العربية الثانية غير عابئة بالمقاومة والتنظير، ان الأطروحات النظرية والسجالات الفكرية التي ميزت حقبة الخمسينات والستينات لم تكن فاعلة في الساحة الواقعية ان صح التعبير، ان لم نقل انها كانت تزيد من خلق الفجوات بين الحلم والواقع، والغاية المرتقبة، والممكن
الحقيقي، وبالتالي كانت تعبر عن حالة الارتباك والهشاشة، الصراع الفكري الذي لم يكن بيده حسم الأمور، لأن الثقافة في البلدان العربية لم تكن تقدر علي القيام بدور الحسم، ان السلطة السياسية بدافع منطقها البراغماتي هي التي تقوم بدور الحسم والفصل، وهي لم تكن ترغب في ذلك، فالسلطة العربية فضلت اللعب علي الحبلين، مرة مع هذا ومرة مع ذاك، مرة مع طه حسين ومرة مع الأزهر وهكذا دواليك، لهذا كان استفحال قوة الاسلاميين في الساحات العربية معبرا بشكل عن هذه النكسة المدمرة للحداثة وطموحاتها، وهي التي كانت في الذهنية الحداثية رمزا للقروسطوية التي كان من أهداف الحداثة القضاء عليها، وعلي مخلفاتها الذهنية والمادية.
ولأول م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حوار

كتبها بشير مفتي ، في 8 نوفمبر 2008 الساعة: 19:20 م

   

 



بشير مفتي للجزيرة توك :

 

ثقافتنا العربية مريضة بالأبوية ومجحفة

 

 

 

 

 بشير مفتي هو روائي جزائري ، وأمين عام رابطة كتاب الاختلاف،-تلك الجمعية التي شكلت نقلة نوعية للكتابة الأدبية في الجزائر- وهو أيضا رئيس تحرير ملحق الأثر الصادر عن جريدة الجزائر نيوز، له عدة روايات أهمها بخور السراب ، أشجار القيامة ،خرائط لشهوة الليل …. وقبل كل ذلك وبعده هو شاب جزائري مثقف وطموح يعرف جيدا مفاتيح التواصل ..الجزيرة توك التقته في الحوار

 

 

 : الجزيرة توك: تعتبر جمعية كتاب الاختلاف مؤسسة ثقافية حداثية رائدة، في مجال الكتابة باللغة العربية في الجزائر ( شعر، رواية ، قصص ..الخ) أين وصل هذا المشروع؟

- لأتحدث أين وصل المشروع يجب أن أتحدث كيف بدأ، لأنه مشروع فتي بالرغم أنه مر الآن أكثر من عشر سنوات على ظهورنا في الساحة الثقافية الجزائرية تقريبا عام 1996 ، كانت فترة عصيبة من تاريخنا الجزائري، وكما تعلم كانت هناك حرب أهلية أو حرب عنيفة لم يعلن حتى عن هويتها بعد، أغلب النخبة الجزائرية إما هربت بجلدها للخارج، أو صمتت، أو قتلت في أسوأ الحالات، خسرنا في تلك الفترة أسماء كبيرة جدا لا تعوض سواء من حيث قيمتها الثقافية، أو نزاهتها الأخلاقية كذلك، مثل الروائي طاهر جاووت، مثل الباحث جيلالي اليابس، مثل الفيلسوف بختي بن عودة..وعشنا فترة صمت وفراغ ووجدنا أنفسنا نحن من كنا نعتبر أنفسها كتاب الهامش سواء لحداثة سننا، أو لأننا كنا نميل بالفعل لشيء آخر، أو على الأقل لم نكن نرغب أن نشبه سلفنا الكتاب الذين كانوا في معظمهم من توجه سياسي وثقافي واحد، نتاج الأحادية السياسية التي عرفتها الجزائر منذ الاستقلال عام 1962 إلى غاية حوادث أكتوبر عام 1988 والتي حررت الشارع والمجتمع وفتحت أبواب التعددية السياسية والثقافية..جئنا في مرحلة صمت، خواء، لا نشر، لا نشاطات ثقافية، وحاولنا بث روح جديدة في هذا المشهد الذي كان يودع الحياة بصورة مخيفة وقاتلة..
كنا طبعا جيل بلا كتب، وكنا تقريبا ننعت بالجيل الأدبي الجديد لكن على مستوى النشر لم يكن أحسننا قد نشر كتابا واحدا، وهكذا رسمنا لأنفسنا إستراتيجية لنشر أعمالنا تلك، وقمنا بإصدارها وفق سلاسل، سلسلة القصة بعنوان سحر الحكي وسلسلة الشعر بعنوان نصوص الهامش وسلسلة الرواية بعنوان الأثر المفتوح سلسلة النقد بعنوان كريتيكا..الخ وكانت بدايتنا بهذا الشكل، ومع الوقت تراكم الإنتاج وربما أصبحنا بشكل غير مباشر أهم ناشر أدبي في الجزائر رغم أننا جمعية أدبية صغيرة، محدودة الإمكانات والدخل، ولكن في حوزتها اليوم ما يفوق 150 عنوان، وكان علينا أن نبحث عن تسويق للأدب الجزائري خارج الجزائر، ولهذا بدأنا في النشر المشترك مع بعض الدور العربية مثل الدار العربية للعلوم ببيروت..
طبعا اشعر أننا وصلنا لشيء ما، ولكن الوصول أمر نسبي بطبيعة الحال فبحسب ما كنا نحلم به في البداية أقول حققنا أكثر من ذلك، بل تجاوزنا تلك الأحلام البسيطة الأولى واستطعنا ترسيخ ثقافة الاختلاف حتى على مستوى التسمية فذلك مهم لأننا بلد عانى كثيرا من الأحادية بالرغم من تعدديته في كل شيء.

الجزيرة توك: عندما تشكلت جمعيتكم قيل أنها بمثابة إعلان قطيعة مع المدارس الكلاسيكية، بل أن احد أعضائها كتب يقول سنهدم أصنام التقليد.. هل تبنيتم نموذج قتل الأب ثقافيا، للإعلان عن فعل إبداعي حديث؟

- أظن أن أي جيل جديد سيدافع عن قيمه المختلفة حتما، وإلا فإن ما ينتظره في ثقافتنا العربية هو الوصاية والأبوية المريضة والمجحفة، تلك التي يقول عنها الراحل جاك دريدا الأب يشتبه دائما في الكتابة ويراقبها وطبعا قتل الأب هو قتل رمزي للفكرة، وليس للكاتب الرائد والأول، والقطيعة بمعنى رفض التشابه والتماثل،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نقد

كتبها بشير مفتي ، في 8 نوفمبر 2008 الساعة: 18:56 م

قراءة  في  رواية أشجار القيامة لبشير مفتي

محمد معتصم/ناقد مغربي

 

 

1/ وضعية الكاتب:
يقول الراوي :”… فلست لا بطلا ولا شجاعا. أنا مجرد كاتب” ص (106). وتشديدي على هذا القول يأتي ليبين أننا أمام حالة ووضعية مزريتين تعيشهما الشخصية الروائية، وحالة ووضعية تلخصان الرؤية التي ينطلق منها الحكي ويعود إليها، كما أنهما تبينان الفضاء الروائي الذي يشمل كل المقومات والمكونات الروائية؛ اللغة والزمان والمكان والأفعال.

لقد وجد الكاتب نفسه أمام عالم معرفته لا تقوم على اليقين المطلق، ولا حتى على الحدس. إنه أمام عالم روائي يقوم على الالتباس، وعلى معرفة آنية تتقلب كل حين، وما يسندها في البيداء غير اللايقين. عالم بلا قيمة. عالم فَقَدَ خصوصيته التي تشده كعمود فقري في جسم الإنسان، وأصبح رخوا، وبلا ملامح مميزة.

“أنا مجرد كاتب !” بلا قيمة، وما أقدمه للعالم ليس معرفة يقينية كالتي تقدمها العلوم الحق. ولست سوى رقم محايد في عملية الإنتاج، وفي معاملات السوق الجشعة. هكذا هو الكاتب اليوم بعد الذي تعرض له من التحولات والتغيرات، وبعدما تحولت القيم وأفرغت من محتوياتها.

في هذه العبارة اختزال للتاريخ السري للكتابة والأدب والثقافة عامة. وفيها تحديد لوضعية الكاتب في زمننا المعاصر الذي أصبح فيه الغرب (كموجِه) بحاجة ماسة إلى إعادة التفكير في مفهوم العقل وفي مفهوم القيم، وبات فيه الشرق في حاجة إلى التفكير عميقا في مفهوم الحرية والأخلاق. عبارةٌ من حيث مضمونها تقول التحول الكبير في الوعي وفي الرؤية إلى الثقافة والأدب والفكر اليوم. ومن حيث أبعادها السردية، فهي عبارة تقول اللاجدوى، وتقول الحقيقة من موقع اللايقين، ومن موقع التردد، والتداخل وألم الذات في عزلتها، وعجز الفكرة أمام الواقع.

كيف عبر الكاتب كتابة عنها؟

لقد وظف السارد للتعبير عن الحالة والوضعية تلك صيغة التساؤل، السؤال الذي تتوالد منه أسئلة أخرى ولا تجد لها أجوبة. وقد استعمل السارد هنا السؤال للإخبار لا بحثا عن الخبر. عملية القلب هذه جاءت مناسبة لحالة الحيرة والقلق لدى الشخصية الروائية، ومناسبة كذلك للا يقين السارد، الذي يحدثنا من قلب الغيبوبة، من لحظة المابين؛ بين الحياة والموت، وهو على محمل العبور نحو العالم الآخر. العالم المنشود، بعدما أصبح الواقع والحياة والعيش بلا أمل. ومن قلب الما بين يسائل السارد الحقيقة؛ ما الحقيقة؟ هل هي تلك التي عشتها، وسأرويها لكم عبر ذاكرة ممزقة، ومنهكة، أم هي تلك الحياة التي كتبتها في “الرواية” – يكتب السارد رواية ضمن الرواية، كمرآة مقعرة؟

يتساءل السارد عن الحقيقة كشيء ثابت ويقيني، وبينها وبين وهم الحقيقة الذي نكتسبه بالعادة، وبالاستكانة لكل سهل بسيط ومسلم به. لكنه ككاتب، أي مجرد كاتب اليوم، فإن الحقيقة لديه تصبح ممكنة، أي أنها كامنة في البحث عن الممكنات. وهذا يجعل قول السارد بين الحقيقة واللا حقيقة، بين الشك واليقين. فالكاتب اليوم، في ظل التحولات الكبرى لم يعد مطالبا بخلق عوالم منسجمة، ونظم صيرورة متناسقة متماسكة، لأن وضعه أصبح محايدا في المعادلات الكبرى، ولأن سوق القيم؛ العقل والأخلاق، قد كسد في ظل هجمة الهجنة، والتمزق، والجشع، والقهر، وانتشار الشعور بالقلق، وبالاضطهاد النفسي والفكري، والاغتراب اللغوي وفقدان مؤشر البوصلة لوجهته الحق.

2/ الكون الروائي:
ويبرز هذا الوضع سرديا ولغويا في اعتماد الكاتب على صيغة الاعتراف، واستعمال ضمير المتكلم الذي يجعل، كما في جل السرود الذاتية، القول حميميا. لكنه اعتراف ليس من أجل تخليص الروح والعقل من وطأة الماضي، بل هو اعتراف من أجل فهم ما جرى، محاولة إعادة ترميم الذات من الداخل. محاولة لفهم كل تلك المتغيرات الكبرى انطلاقا من التغيرات التي حدثت في الذات المفردة. وتبرزه أيضا الثنائيات التي تشكل لحمة النص الروائي، نص الاعتراف، الذي يقوم به راو ثنائي المظهر والتحقق في النص، فالراوي هو ذاته الشخصية الروائية المتحدث عنها، أي الشخصية الفاعلة في السرد الذاتي. أما الثنائيات البارزة فيمكننا إدراجها كما يلي:

التذكر ≠ النسيان
الحياة ≠ الموت
الحب ≠ وهم الحب
الحقيقة ≠ الوهم
الحركة ≠ التوقف (الثبات/ الجمود)
الإدراك ≠ الشك
الصحو ≠ الغيبوبة

هذه الثنائيات الضدية تضع الحدود لما يسمى الفضاء الروائي. أي الأبعاد الصورية للمكان، مسرح الأحداث، وهي أبعاد هندسية تحدد انغلاق الأمكنة كغرفة الإنعاش التي تتحول إلى غرفة/ زنزانة استنطاق وتعذيب نفسي وبدني، أو عربة قطار، أو حانة “التبان” لصاحبها (مقران)، أو البيت الذي يسكنه الراوي وكريمة، أو بيت ساعد وزهرة…وحتى الأمكنة المنفتحة كالشارع وحي “الثقب” يصبحان ضيقين خانقين بالوجود الدائم لمراقبين. ولا يكتمل معنى الفضاء الروائي إلا بالحديث عن الصيرورة، دورة الزمن. وقد جعل الراوي الزمن منغلقا وارتد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نص جديد

كتبها بشير مفتي ، في 7 نوفمبر 2008 الساعة: 16:06 م

 

 

السيرة  المختصرة

لكلب كافكا الوضيع

 

 

 

 

الفصل الأول: الطريق نحو المجد

 

عندما توفي كافكا خرج أحد كلابه المشهورة بنباحه صباح مساء يجري إلى الخارج وهو ينشد الحرية والانعتاق بعد سنوات طويلة من المعاناة مع كافكا الذي كان يلزمه بتعلم المحبة والعزلة والصمت ويرشده لطريق الكتابة الحقيقي، والذي يجعله يرفض اللهاث خلف الشهرة الواهية والبريق المخادع لكن كلب كافكا لم يفوت الفرصة للهرب بسرعة رغم تحذيرات ماكس برود له لا تفعل.. لا تفعل.. ستربح البريق وتخسر الجوهر  بعد أن رحل صاحبه في إحدى المستشفيات مريضا بالسل، وحيدا إلا مع نفسه، وقلبه، وما تركه من أحلام على أوراق كان يعرف أن العالم بكامله سيسمع بها ذات يوم لكن كلب كافكا الذي انطلق يجري ويجري، ينبح وينبح، كمن أصابه جرب مفاجئ لم يكن يهمه أن يصبح كاتبا حقيقيا بالمرة، خاصة وأنه جرب وجرب عدة مرات في محاولات متتالية فلم يستطع لذلك سبيلا وأخبر نفسه في السر فقط، ذلك أنه كتوم للغاية، ويضمر من الشرور ما يعجب له المرء حقا كما تحدث عنه أصدقائه في مرحلة قديمة من تاريخه البعيد جدا عندما كان مرشدا ماركسيا صغيرا يترجم بعض الكتب  البائسة التي تشرح الفلسفة اللينينية العتيقة، والتي لم يعد يذكرها الآن في سيرته الموقرة بعد أن ملأها بعناوين مسروقة من هنا وهناك، وبنصوص بحجم براميل النفط ولكن فارغة لدرجة أن معظم من يقرأها يتساءل عن معنى نصوص تحكي لكل مرحلة عن القضية التي يظن بسخافة حقيقية أنها ستحدث المفاجأة مثل تلك التي حدثت مع سيده كافكا بعد رحيله، ورغم ما يظهر عل وجه كلب كافكا من نبل وما ينطق به لسانه من العسل حتى يظن كل من يتحدث معه أنه ملاك خارج لتوه  من الجنة، حتى يتسنى له  التعرف عليه والاقتراب منه، فيلدغه من حيث لا ينتظر، فإذا به يكتشف أنه كلب مدرب على الخديعة واللاثقة، عكس الكلاب الحقيقية التي تتعلم الوفاء والائتمان مع من تعيش معه،  أما من يعرف سيرته وقصته الحقيقية فلا يحتاج لذكاء كبير ليدرك حجم المفارقة بين الظاهر والباطن، والشكل والجوهر، فهو إذا حقد على شخص سيحقد عليه طول عمره، وإذا حدث وأن كره شخصا سيكرهه أيضا طوال حياته، كما حدث له مع أحد الكتاب الذي كان يظن أنه خطف منه حبيبته الأولى فيما لم يتفهم أبدا أن الحب ليس بالقوة بتاتا، فبقي يغار منه ويطارده، بل ويقلده كالببغاء تماما، فما يعزم لحصة حتى يعزم نفسه في الاسبوع القادم لنفس الحصة، وما أن يسافر لملتقى حتى يسافر بسرعة من وراءه كذيل يتبع صاخبه اينما حل وارتحل، حتى أنه عندما انتقل ذلك الكاتب للكتابة باللغة الفرنسية لم يستطع هو فعل  ذلك ففرنسيته كانت رديئة وكان الكثير من الطلبة المجدين في هذه اللغة يضحكون على أخطائه الكثيرة عندما يقرؤون مقالاته التي كان ينشرها ف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي